الشوكاني
117
نيل الأوطار
قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر ، لأن الحجة ثبت بالظن ويجب عنده العمل ، وقد عمل الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة منها قراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات . وقراءة أبي : وله أخ أو أخت من أم . ووقع الاجماع على ذلك ولا مستند له غيرها . وأجابوا أيضا بأن ذلك لو كان قرآنا لحفظ لقوله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * ( الحجر : 9 ) وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوع ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له ، وأيضا المعتبر حفظ الحكم ، ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير لكان سنة لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه وآله وسلم لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه ، وذلك كاف في الحجية لما تقرر في الأصول من أن المروي آحاد إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به كما سلف . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * ( النساء : 23 ) وإطلاق الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير ، ومثل ذلك حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف ، واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحرث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب الذي سيأتي في باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد . ويجاب أيضا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال فيتعين الاخذ بها ، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر الذي يثبت به التحريم . ( فإن قلت ) حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء يدل على عدم اعتبار الخمس لأن الفتق يحصل بدونها . قلت : سيأتي الجواب عن ذلك في شر الحديث ، فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس . وأما حديث : لا تحرم الرضعة والرضعتان وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها ، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم ، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح ، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجة بلفظ : لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس كما ذكره المصنف ، وهذا مفهوم حصر وهو أولى من مفهوم العدد . وأيضا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشري إلى أن الاخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ، والاخبار عن الخمس